ابن الجوزي
250
كشف المشكل من حديث الصحيحين
قالت له وريا إذا تنحنحا ( 1 ) وهذا الحديث محمول على من جعل جميع شغله حفظة الشعر ، فلم يحفظ شيئا من القرآن ولا من العلم ، لأنه إذا امتلأ الجوف بالشيء لم يبق فيه سعة لغيره . قال النضر بن شميل لم تمتلء أجوافنا من الشعر ، فيها القرآن وغيره . قال : وهذا كان في الجاهلية ، وأما اليوم فلا . وقال أحمد بن حنبل : أكره من الشعر الهجاء والرقيق الذي يشبب بالنساء ، فأما الكلام الجاهلي فما أنفعه . قلت : فأما ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنه قال : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا ودما خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به » فإنه حديث باطل ؛ لأن الكلبي لا يوثق به ، وحفظ بيت من ذلك يكفي في الذم دون تعليق ذلك بملء الجوف ( 2 ) . والصحيح عندي ما ذكرته أولا ، وأن المراد بامتلاء الجوف بالشعر حتى لا يكون لغيره موضع . وقد مدح رسول الله الشعر بقوله : « إن من الشعر حكمة » ( 3 ) وكان يسمعه ويستنشده ، وكان أبو بكر يقول الشعر ، وعمر وعثمان ، وكان علي أشعرهم ( 4 ) . وقال حبيب بن أبي ثابت ( 5 ) : كان ابن
--> ( 1 ) أبو عبيد ( 1 / 35 ) ، و « الصحاح واللسان - ورى » . ( 2 ) للعلماء حديث طويل حول هذا الموضوع ، وكان أطوله ما ذكره ابن جرير في « تهذيب الآثار » مسند عمر ( 616 ) وما بعدها . وينظر « غريب أبي عبيد » ( 1 / 36 ) ، و « إيضاح الوقف والابتداء » ( 1 / 102 ) ، و « العمدة » ( 1 / 32 ) ، و « المهذب » ( 2 / 328 ) . ( 3 ) البخاري ( 6145 ) ، وأبو داود ( 5010 ) . ( 4 ) « إيضاح الوقف » ( 1 / 75 ) ، و « العقد » ( 5 / 283 ) ، و « العمدة » ( 1 / 32 - 34 ) . ( 5 ) وهو إمام حافظ محدث ، روى له الجماعة ، توفي سنة ( 122 ه ) . ينظر « الطبقات » ( 6 / 316 ) ، و « السير » ( 5 / 288 ) .